الأحد, 22 نيسان/أبريل 2018 14:54

   قول×قول - أحاديث من زمن الحرب و الحصار - الموز المشاغب

Written by
Rate this item
(1 Vote)
أعجبتني صفة (المشاغب ) التي أطلقها أحد الزملاء على الموز الذي " جاء إلى العراق ليبث الفتنة في مدارس ورياض الأطفال " فكانت عنوانا لهذا المقالأعجبتني صفة (المشاغب ) التي أطلقها أحد الزملاء على الموز الذي " جاء إلى العراق ليبث الفتنة في مدارس ورياض الأطفال " فكانت عنوانا لهذا المقال

لقد ولد لي طفل في أولى سنوات الحرب، ولم يكن قد عرف الموز أو ذاق طعمه. ولكن إحدى جاراتنا –سامحها الله – أهدتنا واحدة أو اثنتين من موز أتاها من بعض أهلها في قطر مجاور، فعرف هذا الشيء الذي يسمونه :الموز، ولم يعد ينساه. وظل يسأل عنه في كل مناسبة أو بدونها.. ولو نسيه مرة ذكره به بعض مخرجي التمثيليات التاريخية – عفا الله عنهم – عندما يجلسون السلاطين والولاة، محاطين بالجواري والغلمان، وأمامهم صحن كبير مليء بأنواع الفواكه، فيصرخ بفرح واشتياق : بابا موز !

تذكرني محنة طفلي مع الموز بالقصة التي قرأتها في مقتبل حياتي لسومرست موم ولعلها لم تترجم لحدا لآن. ومؤداها – كما أتذكر – أن شابا قوي الجسم، فقير الحال، مر بأحد القصور وكان جائعا فطلب طعاما ليأكل. وكانت ربة القصر أرملة جميلة. فلما رأت الشاب الذي كانت تبد و عليه الوسامة رغم فقره وبؤس منظره. حدثتها نفسها أن تكرمه وتذيقه ما حرم منه طول حياته. وهكذا كان. وفي الصباح هيأت له بعض المال، وقامت لتودعه إلى الباب. فسأل مستغربا: إلى أين؟ أجابت: أن تعود من حيث أتيت. وكيف؟ انه لم يذق في عمره أي شيء مما ذاقه وجربه في تلك الليلة. فكيف تريد منه أن يعود إلى الفقر والحرمان بعد أن عرف طعم السعادة. انه لم يكن يحس بوطأة الحرمان من قبل. أما الآن فالأمر مختلف تماما. 

وكان طبيعيا إن لا ينفع معه الكلام الطيب وا لاقناع. وكان لابد من الشدة لأخراجه من البيت ورميه في الشارع. وما كان منه إلا أن يعود و يقتل المرأة التي أحسنت إليه، ويقضي على نفسه أيضا. حقا لقد اخطأ ت المرأة إذ أدخلته الجنة ليلة واحدة، وطلبت منه أن يعود إلى الجحيم ليقضي فيه بقية حياته.

وبالطبع لم تكن أزمة طفلي مع الموز بهذه الشدة، ولكنها كانت أزمة على أية حال، حاولت تخفيفها بشراء بعض الموز – عند توفره – إرضاء لعاطفة الأبوة، ونكاية بدخلي الذي لا يحتمل مثل هذا الترف، وتحديا لقواعد الحكمة وحسن التصرف والتدبير التي لا ترتضي مثل هذا التبذير.
 

وعلى أية حال، فإنها ليست أزمة طفلي وحسب، وانما هي أزمة كثير من الأطفال الذين يذوقون شيئا من الموز أو غيره صدفة من الصدف، ثم يظلون يتحسرون عليه بعدها مرات و مرات. وهي ليست أزمة الصغار فقط، إنما بعض الكبار أيضا الذين يسرت لهم الصدف أو الأحداث أشياء كانوا محرومين منها، ثم تغيرت الأوضاع فعادوا إلى الحرما ن من جديد، الذي هو أشد عليهم من ذي قبل بطبيعة الحال. 

قال رسول الله (ص) تعقيبا على كلام سفانة بنت حاتم الطائي عندما جلبت أسيرة مع قومها :ارحموا عزيز قوم ذل، وغني افتقر، وعالم ضاع بين الجهال.
الزميل هو الدكتور همام الشماع،( الجامعة، في 22-11-89)
Read 408 times

Copyright © 2000 - Ali zayni
All Rights Reserved

Designed and Powered by ENANA.COM