الأحد, 22 نيسان/أبريل 2018 15:05

المحرك المعطوب

Written by
Rate this item
(0 votes)

جاءني يسعى لاهثا، ولما رآني انطلقت أساريره وقال  قبل أن يأخذ مقعده إلى جانبي :جاءني يسعى لاهثا، ولما رآني انطلقت أساريره وقال  قبل أن يأخذ مقعده إلى جانبي :

- الحمد لله إني وجدتك أخيرا. لقد بحثت عنك في جميع جهات الدنيا. قلت 
- لك أن تحمد الله حقا لأنك كنت تبحث عني في هذه الدنيا. ولو بحثت عني في الآخرة لما وجدتني أبدا، لأنك كنت بومها في النار وأنا في الجنة. قال :
- لا تمزح. فأنا أحمل إليك قصة واقعية أريدك أن تكتبها بأسلوبك على لساني. قلت :
- قصة! لاعهد لي بك مؤلفا للقصص. أخبرني كيف ومتى حصل ذلك ؟ وعمن؟ 
- عن محرك معطوب !
- أن الناس تكتب القصص عن المغامرات العاطفية أو البوليسية وما شاكل، وما سمعت أن أحدا كتب قصة عن ماكنة أو محرك، وفوق ذلك : معطوب! قال:
- إنها قصة تستحق الكتابة. فقد عانيت كثيرا من هذا المحرك. وقد علمت أن آخرين قد عانوا أيضا من محركات مماثلة. قلت :
- حسنا سأكتب، ولكن على مسئوليتك، لكي لا تورطني مع من ستأتي على ذكرهم في القصة، إ ني أعرفك تبحث عن المشاكل. قال:
- موافق. علما أنني لا أريد الإساءة إلى أحد أو التشهير به.إنني فقط أريد التنفيس عن معاناتي، وذلك بان يشاركني الناس همومي بعد الاطلاع عليها. قلت :
- حسنا. أنا أولهم. هات ما عندك.

* * *

إعتدل صاحبي في مجلسه وبعد فترة صمت قصيرة أطلق زفرة من أعماق صدره حسبت أن روحه تخرج معها، ولكن الله ستر، وشرع يروي قصته مع محركه المعطوب : 
عند ما أعلنت ( الأسواق المركزية) عن بيع بطاقا ت السلع الدائمية لم أحفل بذلك ولم أهتم بشراء أي منها. فلدي الثلاجة والمجمدة والمبردة وكل السلع الأخرى التي أعلن عنها. فلماذا اذن أنافس الآخرين ممن يحتاجون إلى تلك السلع. وحتى عندما طرق سمعي بان هذه السلع تباع في السوق بأضعاف ثمنها فلم أتحمس للشراء لأنني لا أرغب في الكسب عن هذا الطريق، وأضيف نفسي إلى قائمة ( الدلالين ) و (الدلالات) الذين يتعاطون بيع وشراء سلع الأسواق المركزية.

و حصل بعد ذلك ما جعلني أسرع في شراء البطاقات. فقد سمعت أن بعض الناس قد احترق لديه محرك (ماطور) المبردة أو المجمدة وبقي حائرا، وإن وجده في السوق فبسعر كامل المبردة نفسها. و خشية إن أقع في مثل هذا المحذور سارعت إلى شراء بطاقة المجمدة، وأخرى للمبردة. ولكن المحذور الذي خشيت منه قد وقع. ففي عز الصيف احترق محرك المبردة، قبل إن يسعفني الحظ بالحصول على المبردة، رغم مرور سحبتين أو أكثر. ولم يكن أمامي سوى شراء المحرك بسعره المرتفع. ولكن أحد معارفي من الوكلاء أنجدني في اللحظة الحرجة فجلب لي واحدة بالسعر الرسمي.

وفي أواخر الصيف حيث لم يعد لي حاجة إلى المبردة جاءتني السحبة بالبشرى، فماذا أعمل بها؟ وظللت أتلكأ في الدفع والاستلام. وبعد تماهل طويل دفعت ثمن المبردة وكان ذلك في أواخر كانون الأول. ولما ذهبت بعد أسبوع أو أكثر للاستلام قالت الموظفة في المخزن :

- انك دفعت المبلغ في السنة الماضية. ونحن الآن في أواخر كانون الثاني من السنة الجديدة. يجب أن تعود إلى الأسواق مرة أخرى لإلغاء قائمة الدفع هذه وتنظيم قائمة جديدة بتاريخ هذا العام. قلت لصاحبي :
- لابد انك حاولت إقناعهم بان هذه تعقيدات لامبرر لها ،إن الأنظمة المحاسبية التجارية منها والحكومية لا تلزم مثل هذه الإجراءات، فلم هذا التعب وإيذاء الناس؟ أجاب- لقد قلت كل ما يلزم قوله في مثل هذه الأحوال. ويأتي الجواب المسكت: هذه هي التعليمات. 

على أية حال عدت أدراجي أجر أذيال الخيبة. ومن حسن حظي أنني أمتلك سيارة أوصلتني إلى المكان النائي الذي فيه المخازن و إلا لأضطررت إلى دفع مبلغ غير هين من المال أجرة (التاكسي) في الذهاب والإياب  عدا الجهود التي بذلتها في البحث عن المخازن التي لم أكن أعرف مكانها من قبل.

وبعد أيام عدت إلى الأسواق المركزية لتغيير القائمة. كانت سحبة جديدة قد أجريت، وكان الزحام على أشده هناك من الرابحين الجدد الذين يرغبون في الدفع والاستلام بسرعة. ولا أدري إذا كان الجميع هم فعلا بهذه الحاجة الماسة للسلع، أم أن لذلك سبب آخر.

خف الزحام بعد أسبوعين أو ثلاثة ،فراجعت الأسواق مرة أخرى، وكان عدد المراجعين قليلا جدا، فلم أبذل أي جهد في تغيير القائمة، ويظهر أنهم قد اعتادوا على ذلك فلم يبدوا أي استغراب أو تذمر. وقررت هذه المرة إن استلم المبردة قبل نهاية العام لئلا أعود إليهم مرة أخرى.

وللحقيقة أقول إن العاملين كانوا طيبين جدا، فقد أخبروني إن المخازن قد انتقلت من مكانها على (القناة) إلى(الزعفرانية) وبذلك وفروا عليّ جهدا في الذهاب إلى المكان الأول فلم أفاجأ بهذا الأنتقال.

* * *

كان يوم 27- 3 يوما مشهودا عندما ذهبت لاستلام المبردة وجلبها إلى البيت وخاصة إنها بحجم 4500 قدم وهي من الألمنيوم الكامل غير القابل للصدأ. وبعد شهر من هذا التأريخ وضعت المبردة موضع العمل. فقد قررنا إستبدال مبردتنا القديمة الثانية بهذه المبردة الجديدة التي أتاحتها سحبة الأسواق المركزية. وهنا كانت المفاجأة. فلم يكن تشغيلها تشغيل مبردة اعتيادية وانما معمل للنسيج أو معمل للطحين من حيث الجعجعة و الضوضاء. وتم إيقاف المبردة و أجري الفحص. وإذا أحد القواطع قد أخطأته مسامير(البر جيم)، فهي سائبة. والقاعدة التي يستقر عليها المحرك غير ثابتة. والأبواب ليست بقدر فتحاتها، فهي تتحرك عند التشغيل وتصدر أصواتا مزعجة. وعلى العموم فان الصفائح التي صنعت منها المبردة ليست سميكة. فعند التشغيل تهتز المبردة و تتحرك الأبواب وترتفع الضوضاء من كل مكان. والأهم من كل ذلك أن خراطيم (صوندات) الماء لم تكن محكمة، فقد تدفق منها الماء بجوار المحرك، ولكن الله ستر، ولم يحترق المحرك.

وكما تعلم – يا صاحبي – فانني امتلك عدة كاملة في البيت، من المثقب الكهربائي إلى المطرقة والمفل (الدر نفيس) وغيره. وبدأت في الشد والتثبيت. ورغم إن الضوضاء قد انخفضت إلى النصف، الا أنها لاتزال ضعف صو ت المبردة القديمة التي لولا بعض الصدأ الذي بدأ يتسلقها لما تم استبدالها. ولم يمض أسبوعان حتى سكنت الضوضاء مرة واحدة. لقد توقف المحرك عن العمل. ومن حسن ا لحظ أننا لم نتخلص من المبردة القديمة. فتحنا محركها وربطناه مكان محركها الجديد المتوقف. قلت : 

- كأنك لا تعرف إن التصليح أو الاستبدال يكون لدى الشركة الصانعة وليست لدى الأسواق المركزية التي مهمتها البيع فقط. قال:- والله لا أدري. ولو كنت أعرف لأغناني ذلك عن بعض الجهد. 
- اذن توجهت من هناك إلى مقر الشركة
- لا والله. لأنني لم أكن أعرف مكان الشركة. فاتني أن اسأل عن مكانها في الأسواق. فبحثت عن العنوان في ورقة الضمان فلم أعثر على شيء حتى ولا على رقم الهاتف. فبدا لي إن أقلب (الكتلوك) فوجدت رقم الهاتف منزويا في إ حدى صفحاته، فاتصلت بالشركة.
وعلى غير ما كان متوقعا كان الهاتف لطيفا معي فأوصلني إلى ما أريد بسرعة كما كانت موظفة البدالة اكثر لطفا فأعلمتني بموقع الشركة ومواعيد المراجعة، وأخبرتني بجلب المحرك لتصليحه أو استبداله، مع ضرورة جلب ورقة الضمان. قلت:
- ألا ترى إن الدنيا لاتزال بخير وان النظارات السوداء التي ترتديها هي سبب التشاؤم وتوقع المتاعب. أجاب : 
- ليس السبب نظارات سوداء أو سمراء، وانما هي التجارب المرة والمعاناة. وعلى أية حال انتظر واسمع:
- حسنا 
- نظرا لعدم معرفتي الدقيقة بموقع الشركة قررت الذهاب إلى المخزن الذي استلمت منه المبردة، وهناك أعلموني بمكان الشركة بدقة. 

* * *

ولما وصلت أوقفت السيارة وذهبت إلى موظف الاستعلامات، وبعد تحيته اخبرته بالأمر. قال:
- أين المحرك؟ 
- في السيارة 
- هل جلبت ورقة الضمان ؟
- نعم
- اجلبه اذن.
وفي أثناء دخولي وخروجي رأيت أكثر من واحد يحمل محركا معطوبا. وعلى أية حال جلبت المحرك من السيارة، وأنا أكاد أشعر بقليل من الفرح بأن متاعبي قد أثمرت وأنني سأعود بعد قليل إلى الدار ومعي محرك صالح للاستعمال. قلت :
- وهل هذه مقدمة لتقول : أن ذلك لم يحصل؟
- بالطبع لا. 
- ولماذا بالطبع؟
- لأنني ما أن وضعت المحرك أمام موظف الاستعلامات حتى قال:
- يجب أن تذهب إلى البيت وتجلب القاعدة.
- عجيب ! ولماذا القاعدة ؟ أنني أريد استبدال أو تصليح المحرك، وليس القاعدة. 
- لايمكن ذلك لأن رقم المحرك ملصق على القاعدة وهو الرقم الذي يجب إن يطابق الرقم الموجود على ورقة الضمان.
- ولماذا وضعتم الرقم على القاعدة وليس على المحرك نفسه. ثم كيف يتبادر إلى ذهن الشخص بضرورة جلب القاعدة إذا كان يريد تصليح المحرك؟ ومن الناحية الأخرى ألا يجوز أن يجلب الشخص محركا آخر غير المحرك الأصلي ويضعه على القاعدة المطلوبة. أجاب الموظف وهو يقطع الطريق عليّ من جميع وجوهه:
- كل هذا الكلام لاينفع. ولا يمكن القيام بأي إجراء إذا لم تجلب القاعدة ،لأن المحرك البديل الذي سيعطى لك سيكون مع القاعدة 

* * *

خارت قواي أمام هذا الحوار اليائس، فتهاويت على (القنفة) نصف المحطمة من كثرة الاستعمال، رغم أنها ليست قديمة، وظللت لحظات صامتا لا أدري ماذا أفعل هل صحيح أن علي أن أعود إلى البيت و أجلب القاعدة رغم المسافة الطويلة التي قطعتها في الوصول إلى هنا. ثم إن القاعدة قد ربط عليها المحرك القديم، وان المبردة تعمل الآن. وبعد إن أخذ ت بعض أنفاسي من التعب قلت للموظف، وهو قد شغل عني من كثرة المراجعين :

- يا أخي. أنني قد ( سقت) إليك مسافة 25 كم من البيت إلى هنا، فكيف تريدني أن أعود كل هذه المسافة و أجلب لك القاعدة و هي لا علاقة لها بالمشكلة. ثم من يقول إن الشركة ستستبدل المحرك، ربما ستقوم بإصلاحه، وفي هذه الحالة لا توجد حاجة إلى القاعدة. يبدو أن الموظف قد تنبه لوجودي، فقال:

لا تتعب نفسك ،لايمكن القيام بأي إجراء إلا عندما تجلب القاعدة، حتى ولو كنت قادما من الموصل، إنها التعليمات. رددت في نفسي:

إ نها التعليمات. إنكم تبيعون الناس سلعا رديئة، وبدلا من أن تعوضوهم عن متاعبهم بسبب تقصيركم تزيدون الطين بلة بمثل هذه التعليمات. ثم لماذا يجب إن يأتي كل الناس إلى هذا المكان النائي ؟ أ ليس الحق أن تأتوا أنتم إلى الدار وتستبدلوا المحرك عند تلقيكم أي إشعار بذلك. وربما تقتضي اللياقة و حسن العاملة أن تتقدموا بكلمة اعتذار عما حصل من خلل غير متوقع.

على أية حال لم يكن موظف الاستعلامات ينتبه إلى ما كنت أتمتم به، وحتى لم يكن يبال لو انفجرت من الضيق، فهو في شغل شاغل عني لكثرة المراجعين. ظللت فترة جالسا بهدوء وان كنت أتميز غيضا من التعب النفسي والجسدي. ثم لممت بعضي وحملت المحرك وخرجت من دائرة الاستعلامات دون إن يشعر بي أحد.

* * *

عدت بعد أيام حاملا معي المحرك مع القاعدة. كانت في غرفة الاستعلامات موظفة حسنة الوجه والهندام. نظمت لي الاستمارة المطلوبة التي تحتفظ بنسخ منها لديها وأخبرتني أن اذهب بالمحرك والاستمارة إلى إحدى البنايات القريبة. وبدأت رحلة الألف ميل وان كانت لاتزيدعن ألف خطوة. كانت البناية تبدو قريبة كما قلت ولكنني وأنا أحمل ثقلا لاأقوى على حمله جعلها في آ خر الدنيا. و كما تعلم فانني قد أشرفت على الستين، وكان عسيرا علي إن أقطع تلك المسافة، و أنا أحمل المحرك بين يدي، وخاصة أنني أعاني من انزلاق في بعض فقرات الظهر وآلام في المفاصل. قلت:

- لا تبالغ، فان المحرك ليس ثقيلا إلى هذه الدرجة ،كما انك لا تزال في عز الشباب.
- صحيح إن المحرك ليس ثقيلا جدا، ولكن حمله مسافة طويلة نسبيا لم يكن أمرا هينا. أما إنني لاأزال في عز الشباب فهو من باب جبر الخواطر، اشكرك عليه. ثم أسألك بالله هل يفترض إن كل من يراجع الشركة هو في حالة من القوة الجسمية والعمر بحيث يستطيع أن يحمل المحرك ويسير به هذه المسافة الطويلة. لماذا لم يفكروا بذلك ؟ قلت :
- آمل أن تكون رحلتك المتعبة قد أوشكت على الانتهاء بوصولك إلى البناية المقصودة. 
- هكذا حسبت.
- وماذا تعني ؟ 
- أعني إن الرحلة قد بدأت من جديد 
- وكيف؟
- استقبلني عند باب البناية أحد العاملين عرفت من لكنته أنه من إخواننا الأكراد. أخذ الأوراق مني ودخل في إحدى الغرف، وبعد ربع ساعة عاد بعد تأشيرها وتسجيلها وقال:
- اذهب إلى ذلك المخزن فانهم سيقومون بتبديله أو إصلاحه. 
نظرت إلى المخزن وإذا به يبعد مسافة تزيد عن المسافة السابقة، فكيف أصل إليه حاملا هذا الثقل الكبير علي ! ثم كيف سأعود به من هناك إلى السيارة و تكون المسافة قد تضاعفت ثلاث مرات أو أكثر. فانفجرت متبرما شاكيا. فقد كنت في وسط الطريق، لا أنا في البداية فأعود أدراجي ولا انا أستطيع تركه، فماذا أفعل ؟ انصرف العامل عني وهو يتمتم :
- وماذا تريد مني أن أفعل لك؟
- إن يسمحوا في الأقل بإدخال السيارة. 
ولكن العامل لم يسمع ما قلت، فقد ذهب إلى حال سبيله. ويبدو إن تذمري وشكواي قد أثار عطف رجل يقف إلى جانبي لم ألتفت إليه، كان في انتظار صاحبه ذهب لأكمال بعض المعاملات. قال:
- انتظر إلى إن يأتي صاحبي فنساعدك في حمله. قلت:
- هل معكم سيارة؟
- لا. وانما نحمله لك.
فشكرته على لطفه وطيبته.  وحملت المحرك بين يدي وبدأت السير باتجاه المخزن. وعندما كان يرهقني التعب أضعه على الأرض وارتاح برهة ثم أعود إلى حمله مرة أخرى وأنا أردد : 
مشيناها خطى كتبت علينا  ومن كتبت عليه خطى مشاها
ترى هل كان الشاعر يحمل محركا مثلي. أغلب الظن أنه كان يحمل هموما أكبر. أخيرا وصلت المخزن. أشار عامل يقف بالباب، أن أذهب من الباب الأخرى ،فامتثلت للأمر. والباب الأخرى غير بعيدة. وما أن وصلتها حتى قابلني عامل آخر وأشار لي أن أذهب إلى نهاية المخزن. 
وهنا انفجرت مرة أخرى. لقد كان المخزن طويلا وبلغ بي التعب مني مبلغا عظيما فلم أعد أستطيع حمل المحرك والسير به خطوات قليلة. إنها القشة التي قصمت ظهر البعير. قال العامل :
-  هل تريد ني أن أحمله عنك ؟ قلت وأنا آخذ طريقي إلى حيث أشار:
- أنا لا أريدك أن تحمله عني، ولكن أريد أن يكون المكان بميسور أي شخص الوصول إليه. 
وهناك في نهاية المخزن جلس اثنان من العاملين يفحصون المحركات المعطوبة، وقد التف حولهم بضعة أشخاص وصلوا قبلي. وضعت المحرك على المنضدة أمامهم وأنا أقول : 
- ألم تجدوا مكانا أبعد من هذا المكان لنجلب إليكم المحركات المعطوبة ؟!
نظر الجميع الي بعطف ولم يعقب أحد بشيء. يبدو أن محنتي لم تكن هي الأولى ،فلم تثر اهتماما كبيرا  غير نظرة الإشفاق. ولما جاء دوري فحص العامل المحرك وقال : إنه غير صالح. وكتب على الاستمارة : يستبدل.وأشار إلى غرفة مجاورة لاستلام محرك جديد. 

* * *

وفي الغرفة المجاورة قلت للموظف الذي جلست لديه لأستريح :
- لقد اشتريت مبردة في عام 1965 من الشركة العراقية، وبعد أن اشتغلت ربع قرن وتلفت المبردة لم يعطل المحرك ونقلته إلى مبردة أخرى. بينما هذا المحرك لم يشتغل سوى اسبوعين. وقد سمعت أن بعض المحركات قد عطلت في يوم تشغيلها. قال:
- إن هذه المحركات ليست من صنع الشركة، وانما نشتريها من منشأة أخرى. اما تلك المحركات فقد كانت من صنع ( وستنكهاوس)، ولكن هذه. .....وسكت كـأنه لا يريد أن يبوح سرا. قلت :
- في الأقل يجب إن يشتغل المحرك سنتين أو ثلاث، أو قل سنة واحدة، لا أسبوعين. وهنا نفد صبر صاحبي وقال:
تعال أنظر. وأشار إلى سجل بين يديه. لقد أرجعنا هذا العام 82الف محرك تعطل عند التشغيل، فماذا نستطيع أن نفعل. لقد صار الهدف من الإنتاج هو الكمية، ولكن على حساب الجودة. إن العاملين على الانتاج يريدون أن يقولوا أنهم انتجوا كذا. ولا أحد يسأل عن نوعية المنتوج وجودته.قلت :
- إنها حالة مؤسفة. 

أعطاني الموظف محركا جديدا وطلب مني العودة إلى العامل نفسه لفحصه قبل استلامه، ولشد ما كانت دهشتي إن المحرك مصنوع بامتياز ومواصفات محركات وستنكهاوس. وبعد إجراء الفحص سلمني المحرك ولكنه لم يعد لي ورقة الضمان. قلت له:

- لماذا احتفظت بورقة الضمان ؟ وماذا أفعل لو تعطل هذا المحرك بعد اسبوعين أيضا ؟ أجاب مازحا :
- هل تعرف سوق ( مريدي)؟ قلت:
- لا أعرفه، ولكني سمعت به
- إذا عطل المحرك مرة أخرى فاذهب إلى هناك واشتر واحدا بسعر (السوق). 

حملت المحرك على صدري هذه المرة لأنه كان داخل علبة كارتونية وانا أفكر بسوق مريدي الذي سأذهب إليه لشراء محرك بعد أسبوعين عندما يعطل هذا المحرك أيضا. ثم بدرت إلى ذهني فكرة:

- لماذا لا أذهب إلى سوق مريدي بائعا وليس مشتريا، لأبيع هذا المحرك قبل أن يعطل. ولكن كيف لي أن أفعل ذلك؟هنا قلت لمحدثي :
- اته لمنظر جميل أن أراك واقفا في سوق مريدي الذي لم أره انا أيضا، ولابد أنه يشبه سوق (الغزل)، وانت تحمل بين يديك محركا تساوم عليه.
- على أية حال انني لن أفعل ذلك لأنني لا أستطيع فعله. وفوق ذلك كيف أبيع سلعة أعرف مسبقا أنها رديئة، ولو كانت صالحة لاحتفظت بها لنفسي. أ ليس ذلك هو الغش بعينه؟! ومن غشنا ليس منا.أجبت مازحا:

- يبدو أنك قد صرت من عباد الله الصالحين، على غير عهدي بك. قال:
- ولكنك كعهدك بي، شعاري :الدين المعاملة. أنا لا أردد ذلك بالأقوال، أمارسه بالأفعال. قلت:
- هذا صحيح. ولكن دعك من هذا، واخبرني : ماذا فعلت بالمحرك الجديد؟ وكيف تعمل مبردتك الجديدة ؟ قال:
- إن مبردتي الجديدة تعمل بمحرك قديم، على طريقة زرع القلو ب. أما المحرك الجديد فهو في علبته الكارتونية محفوظ إلى ما شاء الله.

نقحت في 19- 6- 90

Read 1120 times

Copyright © 2000 - Ali zayni
All Rights Reserved

Designed and Powered by ENANA.COM