zayni_final
 
 

قول ×قول      

                                       أحاديث من زمن الحرب و الحصا ر

                                                  الموز المشاغب

                                                 د. عبد الحسين زيني

                    أعجبتني صفة (المشاغب ) التي أطلقها أحد الزملاء على الموز الذي " جاء  إلى العراق ليبث الفتنة في مدارس ورياض الأطفال  "  فكانت عنوانا لهذا المقال

          لقد ولد لي طفل في أولى سنوات الحرب , ولم يكن قد عرف الموز أو ذاق طعمه . ولكن  إحدى  جاراتنا –سامحها الله – أهدتنا واحدة  أو اثنتين من موز أتاها من بعض أهلها في قطر مجاور , فعرف هذا  الشيء الذي يسمونه :الموز , ولم يعد ينساه . وظل يسأل عنه في كل مناسبة أو بدونها ..ولو نسيه مرة ذكره به بعض مخرجي التمثيليات التاريخية – عفا الله عنهم – عندما يجلسون السلاطين والولاة , محاطين بالجواري  والغلمان , وأمامهم صحن كبير مليء بأنواع الفواكه , فيصرخ بفرح واشتياق : بابا موز !

          تذكرني محنة طفلي مع الموز بالقصة التي قرأتها في مقتبل  حياتي  لسومرست موم ولعلها لم تترجم لحدا لآن . ومؤداها – كما أتذكر – أن شابا قوي الجسم , فقير الحال , مر بأحد القصور وكان جائعا فطلب طعاما ليأكل . وكانت ربة القصر أرملة جميلة . فلما رأت الشاب  الذي كانت تبد و عليه الوسامة رغم فقره وبؤس منظره .حدثتها نفسها أن تكرمه وتذيقه ما حرم منه طول حياته . وهكذا كان .

          وفي الصباح هيأت له بعض المال , وقامت لتودعه إلى الباب . فسأل مستغربا : إلى أين؟ أجابت : أن تعود من حيث أتيت .وكيف؟   انه لم يذق في عمره أي شيء مما ذاقه وجربه في تلك الليلة . فكيف تريد منه أن يعود إلى الفقر والحرمان بعد أن عرف طعم السعادة . انه لم يكن يحس بوطأة الحرمان من قبل . أما الآن فالأمر مختلف تماما .

          وكان طبيعيا إن لا ينفع معه الكلام الطيب وا لاقناع . وكان لابد من الشدة لأخراجه من البيت ورميه في الشارع . وما كان منه إلا أن يعود و يقتل المرأة التي أحسنت إليه , ويقضي على نفسه أيضا . حقا لقد اخطأ ت المرأة  إذ أدخلته الجنة  ليلة واحدة , وطلبت منه أن يعود إلى الجحيم ليقضي فيه بقية حياته.

          وبالطبع لم تكن أزمة طفلي مع الموز بهذه الشدة , ولكنها كانت أزمة على أية حال , حاولت  تخفيفها بشراء بعض الموز – عند توفره – إرضاء لعاطفة الأبوة , ونكاية بدخلي الذي لا يحتمل مثل هذا الترف , وتحديا لقواعد الحكمة وحسن التصرف والتدبير التي لا ترتضي مثل هذا التبذير .

وعلى أية حال , فإنها ليست أزمة طفلي وحسب , وانما هي أزمة كثير من الأطفال  الذين يذوقون شيئا من الموز أو غيره صدفة من الصدف , ثم يظلون يتحسرون عليه بعدها مرات و مرات. وهي ليست أزمة الصغار فقط , إنما بعض الكبار أيضا  الذين يسرت لهم الصدف  أو الأحداث أشياء كانوا محرومين  منها , ثم تغيرت الأوضاع  فعادوا إلى الحرما ن من جديد, الذي هو أشد عليهم من ذي قبل بطبيعة الحال.

          قال رسول الله (ص) تعقيبا على كلام سفانة  بنت حاتم الطائي عندما جلبت أسيرة مع قومها :ارحموا عزيز قوم ذل ,وغني افتقر , وعالم ضاع بين الجهال.

__________________________________________________________
* الزميل هو الدكتور همام الشماع ,( الجامعة , في 22-11-89)

 

رجوع